ذكرى رحيل.. اعتذاران وأسف
ذكرى رحيل.. اعتذاران وأسف
كان المشوار جميلا حين تهادت بنا سفينة واحدة في بحر قليل الموج شديد الزرقة والصفاء كان ذلك بترتيب شاءته لحظة القدر ليجمعنا مركب هادئ وجميل .
لم تندمل جراحات كثيرة مضنية مؤلمة بعد استشهاد الذبيح ذي القبرين محمد رحمه الله وبين الحين الحين والحين تمتد يد الجناية والإرهاب لتطفئ ظلمته نجما مضيئا وقبسا مشرق من رفاق الدرب على مسيرة أردناها تستمر فينا ويتأجج سناها مالئا دنيا الناس بالحب والخيروالأمل
في كل مرة كانت تتضامن فيها الجراح فيما بينها متآزرة لينضاف إليها جرحنا الأكبر قبل اكتمال مشهد صورة أردناها تكبر لكنها اهتزت قليلا برحيل الكوكب الشيخ المؤسس رحمه الله .
قدر جميل حين تحظى بالسير خلف الرجل المؤدب المتأدب المربي المتهجد الحاني المبتسم لتتبعها اللحظة الجميلة نفسها كي أعرف خليفة الشيخ وأجلس إلى رئيس الحركة الجديد أبو جرة سلطاني - عجل الله له بشفاء ولده أسامة الراقد على فراش المرض ينتظر دعوة من مخلص - .

الاعتذار الأول:
عشر سنوات دربة وألفة وعشرة وحسن ترميم كنا نحاول التجديف معا ونعين باللبنة خلف اللبنة في بناء نحافظ عليه كي لا ينهدم وفي تلك اللحظات وحين تدرك حب أبناء الحركة لك فذلك مبعث "الاعتذار الأول" لهم جميعا ونصر أن نلتمس منهم ذلك فلعلني لم أكن في مستوى ما يطمحون إليه أو لعلني شغلت مكانا كان الأولى أن يشغله غيري من ذوي الكفاءة والأهلية والاختصاص في من نريد ممن يتصدر شأن الحركة أن يملأ بزخمه المكان ..

الاعتذار الثاني:
أما حين يختم الكبار مشوارهم بهكذا إخراج وبهكذا إنتاج فذلك مبعث "الاعتذار الثاني" الذي ألتمسه منه على كل الذي بدر مني من خشونة لفظ واندفاع كلمات وتزاحم حواش كان يجب ألا تصدر من شاعر إلى عليم بقدسية الحرف مرهف باللغة بينه وبين تطويع الحرف وسبك القوافي سجال، لكنه لم يكن ليزيد عن قوله ...هيه زد كما كان رسول الله يقول لحسان .

يقرأ الرسالة الطويلة مني على نفس واحد لا يتوقف حتى يسرع في إرسال الثناء يعرب عن الفرح وبهش ويبش ويسجل نفسه بكل تواضع في قائمة المعجبين يستهويه النثر ويطربه الشعر وليس له بين ثناياه نصيب بعدما حرم الشاعر فقه مدح الكبار ...
اختلفت معه كثيرا فلم يضق صدره ولم يتكدر صفوه، ولايزال كذلك حتى صار سببا في ميلاد كل لحظة جميلة فاتنة في حركة حرص عليها بعزم كي تصطف في رواق الكبار والعمالقة فقط ...

لذلك أوجبت كل مواطن الشرف في نفس شاعر أن أعتذر منه فيقبل الاعتذار كما لو أنني أحد أبنائه فإن لم يتكرم بقبولي عنده ابنا فأخا أو صديقا أو ناصحا أو محبا ،وليس بين كل تلك الصفات متدرجة إلا شجنة رحم أمر الله أن توصل وعليه أن يعلم أنني كنت جنديا في كتيبة تقتضي ظروف مرتبتي فيها أن أعيش جنديا لم يتأخر فيها يوما عن انضباطه بما يتوجب على كل جندي وفي أن يفعله مع أوامر قيادة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر حتى ولو سمع من الوشاة غير ذلك........؟

كنت أخالني أركب فرسا جموحا أمضته الجراح وأثخنته لكنني ومع كل ذلك وخزته لنكمل المسير معا ، وكنت أسمع حمحمة جراحه صابرا لأنه فهم معنى ما يريده الفارس ويتمناه مقاتل شرس لا يعرف غير لغة الكر وقد مسح لفظ "المستحيل" من قاموسه وليس في معجمه "لا أستطيع"
كانت القصيدة بين جوتنحي حين أكمل نظمها ونسجها مثل البندقية على كتف المرابط على الثغور، وحين أنظم الحرف تتراءى لي دموع الشيخ الراحل قديما حين كانت تؤلمه جراح فلسطين، وعذابات الوطن، وتشريد دعوة، فينفخ من روحه دمعة سخية تخرج من كبده أقرب إلى الدم منها إلى الدمع الذي يتصنع في إظهاره كثير من الناس ، ثم يأتي من يقول عن شاعر فليذهب ليدندن بشعره فليس له في السياسة نصيب ،

نعم ليس لي في السياسة نصيب كما قلت ولو كان لي فيها نصيب لوصلت راكبا فوق الجماجم إلى ما وصلت إليه، لكن يبقى أن تعرف مني أن مقعدك الذي تقعد عليه إنما كان من لحم شاعر ودمه وقطرات الأنسولين في عرقه بحقن يغرسها في لحمه بانتظام خوفا عليك أن تؤذى أو تصيبك رماح الرماة فقد كنت دارية لصد رماح الغزاة ولم أترك الريح تعبر إليك وأنت على مقعدك الوثير ذاك لأنني فضلت أن أصمد مرابطا على الثغور أنا وأمثالي البسطاء المدندنين كما يحلو لك أن تصفنا ...

عشت مقاتلا طوَّع كل رماحه لتصيب كبد الحقيقة ومقاتل الخصوم، وفي كل لحظة كان أمنيتة أن يلقى الله شهيدا ليس على أريكة فندق ولا مقعد منيف، ولكن لغبار المعركة في أنفي طعم ورائحة ومذاق وسط ساحات قتال مشاها راجلا يغزل من غبار المعركة لحمة القصيد ومن دخانها السداة في زمن كان المقاتل يخرج من بيته مودعا أهله لأنه ربما لن يكتب الله له أن يعود ..

الأسف:
مؤلم جدا أن نصل إلى مؤتمر خامس ونحن نتجرع ألم الافتراق ثم نتجرع ألم التقارب، ومؤلم جدا أن نقطع شوطا طويلا ثم لانجد الخيارات الكثيرة سوى ما يفرزه الجدب والجفاف والقحط وأمام فراغ قيادي رهيب في مشهد بائس قد يجعل مشروع الوحدة الكبير صفحة من الماضي .
كم تمنيت ألا أختم سكر الاعتذار بملح الأسف ومرارة العتب؟ لكنني أعلم أن الفاكهة لا تخلو من حمض ليمون منعش، وملحي على جراحكم بلسم يداويها خير من دهن أملس يداريها.

شاعر الحرية/ محمد براح

طالع أيضا