"القيادة والإستخلاف" شعار ملتقى التميز لأكاديمية جيل الترجيح بتركيا
"القيادة والإستخلاف" شعار ملتقى التميز لأكاديمية جيل الترجيح بتركيا

>> ملتقى التّميز لأكاديمية جيل الترجيح؛ من أشرقت بداياته أشرقت نهاياتُه..

في نـادرة من نوعها، أضاءت مدينة اسطنبول التّركية بإشراقة كوكبة من العلماء والمفكرين وكبار شخصيّات العالم العربيّ، أنـاروا العقول، وطهّروا القلوب، وأيقظوا الضمائر، وسلّطوا الضوء على الزوايا التي أظلمت بعيون شباب جيل التّرجيح، ليجعلوا من ملتقاهم، ملتقى التّميز الثالث متحفا للأفكار والعلوم والخواطر، لا يختلف قيمة وثراء عن متاحف المدينة الباهرة في بهاء آثارها، وتنوع حضاراتها، سوى عن كونه ليس لمجرّد النظر والسلوى، وإنّما بعثٌ جـديد لعقول عـرفت، وحُقّ عليها أن تلزم..

>> الافتتاح وشـمس الشّموس؛ النّظر إلى العلماء عـبادة..

حـين تصاعد صوتا النشيدين الوطنيين الجزائري والتركي متعانقين افتتاحا، استذكرت سماء المدينة أمجادها والتاريخ المشترك، فأعلنت الاحتفال سبعا، تجمّلت وتزيّنت فيها بكلّ أثوابها وحليّها؛ شمسا دافئة، وغيثا نديّا، بدرا منيرا ونجما بهيّا، ورقصت النّوارس عالي البسفور..

وكذلك كـان للأرض ما تفاخر بـه شُموسا تشرق تباعا؛ بادئها مفاجأةً، المفكّر والعلامة والداعية الهامة محمّد أحمد الرّاشد، الذي آثر على رفعة شأنه، وبركة عمره، وضعف صحته إلا أن يكون أكثر همّة من الشّباب ويزورهم هو في مهرجانهم هـذا، ليلقّنهم سندا متصلا “المسارات السّبع نـحو اتقان الأداء –اسقاطا على واقع الجزائر-” وماكان بحاجة أن يلقنهم شيئا لو أنه جلس قبالتهم صامتا فحسب، يتأمّلون شباب قلبه وطموح روحه وغيث علمه الغزير، فيأذنوا لأعينهم أن تطلّق جفافها وتذرف ماء طهورا تتوضّؤ به القلوب والعقول وضوءً تصح بـه كلّ العبادات الفكرية والنهضوية ولا ينتقض..

وإذ وصف الشّبابَ بمادّة الدّعوة الاسلاميّة، فقد حثّهم عـلى اكتشاف ذواتهم أوّلا، والاعتداد بأنفسهم دون اغترار والحرص على التربيّة التخصصية والتفوق التخصصي ثمّ التركيز على جيل من الأطفال يرث الدّعوة ويقود النّهضة، وكسب الولاء إذ الكثرة تغلب الشجعان، ليختم ناصحا وبحرص كبير قائلا: " لا تقبلوا من أنفسكم أي شكل من أشكال التباعد".

>> القيادة والاستخلاف؛ فسيفساء من القمم..

في طبعته الثالثة، جاء ملتقى التميّز خـاتما لأوّل خماسية متوّجا لإنجازاتها مفتتحا للثانية ومتطلّعا لثمارها وأطيابها حُسنَ ظنّ بالعليّ القدير، فكان الملتقى الخماسيّ الأوّل للأكاديميّة، واختير لـه شعار “القيادة والاستخلاف” وشرّفته قمم فكريّة ودعويّة وإعلاميّة وفنيّة، رسَم كلّ منها أثره وأكسب خبرته، وسكب من معرفته في حقائب زاد الشباب، لتكتمل لدى كلّ منهم لوحة القيادة، ذلك أنّ القيادة سلوك أوّلا، والقيادة علم، والقيادة مهارة، والقيادة فعل وتحكّم في أدوات التّأثير.

نالوا من الفكر شربا، مـع المفكّر السّوري الدكتور عبد الكريم بكّار الذي عرّف المتميّزين بمفهوم الوعي ودوره في الإصلاح الثقافي ساردا لمبادئ تكوينه الأساسيّة وأدوات بنائه الصحيح، مشيرا إلى انّ الوطن العربيّ يعاني نقصا في المفكرين وقصورا ذاتيّا عرّفه على أنّه "عدم كفاية المبادئ والأفكار والأدوات والأساليب لتحقيق الأهداف التي نسعى إليها"

ومن المهارات زودّهم الدكتور طـارق السّويدان  بفهم جديد ومنهج علميّ لاتخاذ القرارات سمّاه بالنّموذج السّويدانيّ، علّمهم بـه وبطريقة تنافسية ممتعة وفعالة، بعض الطرق والأساليب لاتخاذ قرارات سليمة أهمّها “المصفوفة”، وتقسيم الشّروط إلى أساسيّة وتفصيليّة قبل الحكم فيها قائلا أنّ ” أكبر خطأ يقع فيه النّاس حين اتخاذ قراراتهم، هو أنهم يقيّمون الشّروط الأساسيّة والتفصيلية في نفس الوقت”. وكذلك ألهمهم الدكتور أكرم العدلوني من وحي تجربته مهارات اثني عشر تساعد الشّاب على ممارسة القيادة، مستشهدا بشخصيات ورموز قيادية عالميّة برزت على مدى التاريخ، صنعت أثرها في الأمم. لتكون لهم جلسة أخرى مع الأستاذ نـاصر المانع وصناعة العلاقات..

“الحريّة أوّلا ثمّ الاسلام ثانيا”؛

في سلسلة محاضراته التي انطلق فيها من التاريخ الدولي إلى مستقبل الوطن ومقومات نهضته، ركّز الدكتور عبد الرزاق مقري، الرّئيس الفخري للأكاديمية والمستضيف الأوّل، ركّز على ما ذكره معلمه وشيخه الرّاشد بشأن الحريّة وقال: ” نحن نكافح من أجل الحريّات حتى نستطيع أن نحقق التنمية، وحين تحفظ الحريّة، الهويّة يحفظها المجتمع”. حيث تكلّم  في أوّل محاضرة له عن الرّبيع العربيّ ابتداء، والذي عدّه مسارا ثوريّا لا ثورة، ثمّ عاد بالشباب إلى تاريخ أوروبا والثورة ضدّ الكنيسة، وما نتج عنها من مذاهب، أكبرها الرّأسمالية التي وصفها بأنّها أصبحت دينا وعقيدة بكلّ ما للكلمة من معنى، وكيف أنّ الغرب وبسبب هـذا الصّراع الطويل من أجل فصل الدين عن أحوال الناس، لا يمكنه أن يقبل مجددا ربط الأرض بالسّماء، وبالتالي فسيحارب أي كيان ينتهج  ذلك وأوّله دولة الاسلام.  ليتكلّم في محاضراته القادمة عن الحركات الاسلاميّة في الوطن العربيّ والجزائر، وتجديد خطّها السياسي والاستراتيجي؛ معتبرا الجزائر ذات دور أساسي في النّهضة الاقليميّة والعربيّة، ومقدّما مجموعة من الخطط والرؤى المستقبلية والمشاريع التي تصنع “نهضة وطن”.

ومتفّقا مع طرح العلامة الرّاشد والدّكتور عبد الرزاق مقري، قدّم الدكتور محمّد الشنقيطي -مرافق المتميزين طوال أيام الملتقى-  محاضرته “تطبيق الشّريعة في المجتمعات الحرّة” مؤّكّدا على أنّ “الشّرعية  تأتي أوّلا قبل الشّريعة” ومشيرا إلى أن الحضارة الاسلامية ولدت بإمكانات لا حدود لها إلا أنّ الامكان السياسي لها تعطلّ مبكرا، داعيا المجتمعات الحرة الالتزام بالحد الأدنى من التقنين والحدّ الأعلى من الحريّة.

ولأنّ تجارب الآخرين خبرة وعبرة، كانت التّجربة التّركية، والتّجربة المصرية، حاضرتين في الملتقى في جلستين، الأولى مع الد. سعيد وليد الحاج أسقط خلالها الصفات والأدوار القيادية على تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، مشيدا بما أحسن مشيرا إلى ما أغفل؛ والثانية مع وزير الاعلام في حكومة الرئيس مرسي د. صلاح عبد المقصود، ورفيقه النائب السابق في البرلمان د. محمد فقي، حيث أكدا أنه لا يكفي أن تأخذ ثقة الناس ولكن لا بدّ أن تمتلك كافة أدوات المشهد [ القوة الاعلامية والقضائية والأمنية والعسكرية والمؤسسة الدينية] مجيبين في الختام على تساؤلات وانشغالات المشاركين..

وكان للفنّ نـصيبُه مع المخرج السّوري محمّد بايزيد، الذي قال أنّه جاء ليستفزّنا بإظهار مشاهد ومقاطع من أفلام هوليوود، التي كانت بحاجة دائمة عبر السنين لخلق عدوّ لتنجح، وعدوها الحالي هو الأمّة الاسلاميّة، ولا بدّ لنا من معرفة عدوّنا ومحاربته بسلاح يكافئ قوّة سلاحه.

خـتام المسك وآخر البصمات كانت للدكتور راتب النّابلسي، الذي سطع بإشراقة النهاية،  بموضوعه حول القيادة والقدوة، حيث ألح  فيه  أنّ الدعوة : علم ثمّ مواقف ثمّ علاقات، ولا يمكن أن يكون الدّاعية مسموعا اليه متبعا دون هذه الثلاثية، وتبقى أنجع الطرق: القيادة بالقدوة..

>> اسطنبول؛ “زيارة المآثر تشعرك بالمسؤولية نـحو الأمّة، وهـذه الزيارات لا تقل أهميّة عن المحاضرات”

هـذا ما قاله الرّئيس الفخري للأكاديمية في أوّل أيام الملتقى، فكانت الفترات الحرّة فرصة لزيارة معالم المدينة العريقة، وكانت رحلات أخرى منظمة جماعيّة، زار فيها المتميّزون أكبر المعالم الأثريّة في البلاد، بمرافقة مرشدين سياحيين كشفوا الأسرار من قلعة “توب كابي” ومتاحفها الغنيّة بآثار كلّ الحضارات الاسلامية وغير الاسلاميّة، حيث آثار الأنبياء والصحابة والخلفاء،، إلى آيا صوفيا، والمسجد الأزرق، وشوارع اسطنبول وما فيها من أسوار ومباني قديمة لكلّ منها حكاية وعبرة، وإذ السياحة لم تكن سياحة نظر فحسب، بل سياحة سمع وفكر وقلب وروح، فقد كان الأروع مطلقا قوافل صلاة الفجر الحاجة إلى المسجد الأزرق كل يوم التي ساقها وقادها رئيس الأكاديمية الأستاذ أحمد صادوق، حتى انتشر بين المشاركين أنّه: من لم يصلّ الفجر في المسجد الأزرق فكأنما لم يزر تركيّا.. 

>> على مياه البسفور؛ إشراقة نهاية، وإشراقة بداية..

وعـلى الباخرة، إبحارا في مياه البسفور، وفي الأشواق والمهجِ.. ونظرا إلى مآذن المدينة من البحر بعد رؤيتها من الجوّ والبرّ، وقياما بعبادة التامّل في الجمال، وأملا في حرقة وغيرة تسكن القلوب على البلاد الوطن فتعمل أضعافا حتى ينهض ويتمثّل جماله؛ كانت رحلة الأسرار عميقة، انتهت بحفل اختتام الملتقى، الذي عبّر فيه كلٌّ عن مسرّته، ووقع الحضارة والدولة العثمانية في نفسه، حين جعلت من البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية كما وصفها الأستاذ أحمد صادوق الذي رافق الشباب برعاية وحرص أبويّ مذ صار رئيسهم وفي أيّام الملتقى متواضعا لهم، ومضحيّا ومتنازلا عن كثير من حقوقه لأجل حفظ حقوقهم.

ولأنّ الشّكر قيمة وفضيلة، ولأنّه تعالى قال: “ولئن شكرتم لأزيدنّكم” ولأنّ من لم يشكر النّاس لم يشكر الله، كـان الحمدُ والشّكر عـلى كلّ لسان.. فشُكر المولى صاحب كلّ الفضل  وفوق كلّ ذي فضل وحسن الثناء عليه، ومن ثمّ شكر الرّئيس الفخري للأكاديمية ورئيسها والأساتذة والضيوف والمنسقون، وكلّ الشباب وعلى رأسهم المدير التنفيذي للأكاديمية أ. ابراهيم هواري، الذي حرص وجاهد وثبت في مرحلة حرجة للاكاديمية هـي مرحلة الانتقال من خماسية إلى أخرى، ومدير الملتقى أ بلال قابوش، الذي سهر هو وإدارته على إنجاح هـذا الحدث العظيم وبسلاسة ويسر لم يشعر المشاركين بالارهاق

؛  وكُرّم متميّز المتميّزين “عبد الغفور مزيان”، فطوبى لـلمتميزين مكرمة اسطنبول، ومكرمة الأعلام والعظماء الذين لقوهم، ومكرمة الأخوة والرفقة الحسنة،  ومكرمة التميّز، وطوبى له فوقهم كلّهم مكرمة الحجّ إلى بيت الله العتيق تكريما على تفوّقه في كلّ المحاور. والنّصيحة قبل وأثناء وبعد ذلك نصيحة المؤسس د. عبد الرزاق مقري إلى كلّ حاضر: “احذر أن يطلّع الله عليك فيرى أنّه منحك أكثر مما بذلت”.

ومن البسفور أشرقت نهاية الملتقى بإشراقة بدايته، وأشرقت بداية الخماسية على أن تشرق نهايتها، وما ذلك على الله بعزيز..

المصدر : موقع أكاديمية جيل الترجيح 

ألبوم الصور


طالع أيضا