ما معنى أن لا يشارك حزب سياسي في الحكومة؟
مقال في التثقيف السياسي - د عبد الرزاق مقري
مقال في التثقيف السياسي - د عبد الرزاق مقري

حينما يقرر أي حزب سياسي عدم مشاركته  في حكومة من حكومات بلده معناه أن لا يكون له أي وزير  فيها. وعدم وجوده في الحكومة معناه أنه اختار خدمة الوطن الذي ينتمي إليه من موقع المعارضة وفق المتعارف عليه في مختلف الدساتير والقوانين والثقافة السياسية السائدة في كل أنحاء العالم حيث أن الحزب السياسي إما أن يكون في السلطة أم في المعارضة، يكون في السلطة إذا كان هو من يشكل الحكومة أو يشارك فيها، ويكون في المعارضة حينما لا يكون له أي وجود فيها. والمعلوم أن الحكومات تتشكل بعد النتائج الانتخابية التشريعية، فإن حصل حزبٌ ما على الأغلبية المطلقة من عدد نواب المجلس التشريعي أمكنه تشكيل الحكومة وحده ليشرع في تطبيق برنامجه كله، فإن لم يحصل أي حزب على تلك الأغلبية تتشكل الحكومة وفق تحالف حزبي يقوم على أساس التشارك في الرجال والبرامج وتكون الأحزاب المتحالفة متقاربة عادة في التوجهات السياسية والأيديولوجية ويكون التحالف عندئذ أكثر متانة واستقرارا، وقد تفرض نتائج الانتخابات التي لا تعطي لأحزاب الأسرة السياسية الواحدة أغلبية مريحة قيام تحالف أحزاب متضادة الاتجاهات أو غير متجانسة سياسيا، وتكون الحكومة عندئذ هشة غير متجانسة ومعرضة للأزمات وربما السقوط وإعادة الانتخابات التشريعية. وقد تتجاوز أوضاع الأوطان هذه الحالة العادية، فتتشكل في زمن الأزمات والحروب ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية أو حكومة الإنقاذ أو الخلاص وهي حكومات ائتلافية تتجاوز منطق الأقلية والأغلبية تتعاون من خلالها كل الأحزاب لإخراج البلد من الأزمة مهما اختلف توجهاتها.


المطلوب من الحزب الذي يكون في الحكومة أن يخدم الوطن بحسن التسيير والعدالة وضمان الحرية وحماية المال العام وتحقيق التنمية من خلال تطبيق برنامجه في مختلف القطاعات التي تغطي كل شؤون الناس، والمطلوب من الحزب الذي يكون في المعارضة أن يخدم الوطن من خلال مراقبة الحكومة ومختلف المؤسسات التي يديرها الحزب الحاكم ومتابعة طرائق تسييرها وملاحقة الفساد والنضال من أجل الحرية والمساواة بين الناس و كشف عدم جدوى البرامج والإجراءات والقرارات والقوانين التي تصدرها الأغلبية. و لا يعني هذا عدم الالتقاء مطلقا بين الحكومة والمعارضة فقد تسلك حكومة الأغلبية سلوكا يتوافق مع برنامج الأقلية فتؤيده وتوافق عليه، وقد تستفيد الحكومة من النقد الذي توجهه المعارضة وتأخذ برأيها لأسباب سياسية أو عقلانية، وفي كل الأحوال على المعارضة أن تستميت في تقديم البدائل الأفضل لما تنقده وتعد بأنها ستطبقه يوم أن يمنحها الناخبون الأغلبية ( أو حينما يتوقف مسلسل التزوير بالنسبة لحالة الأنظمة غير الديمقراطية). ومن فوائد منطق الأغلبية الحاكمة والأقلية المعارضة ترسيخ معنى المسؤولية وتطوير أداء الأحزاب وتفجير طاقاتها الإيجابية وعبقريات رجالها وعلو أهميتها في المجتمع وكذا تسهيل تطبيق مبدأ التداول على السلطة، حيث أنه يصبح واضحا للرأي العام عموما وللناخب خصوصا من الذي يحكم فيُشَجَّعُ حين ينجح ويُعاد انتخابُه، أو يُعاقب حين يخفق فيُزاحُ بعدم انتخابه، فلا تستطيع الأحزاب التهرب من مسؤولياتها وتحميل غيرها تبعات فشلها أو فسادها فتسارع إلى إصلاح نفسها بنفسها لتطوير سياساتها وتحسين أدائها وأخلقة سلوكياتها، ومن جهة أخرى تجد الأحزاب التي تكون في المعارضة نفسها مجبرة على رفع مستوى أدائها وتطوير أفكارها وبرامجها ومقترحاتها وتجنيد وتوظيف أحسن أفرادها وأحسنهم قدرة وأوفرهم إبداعا حتى تتفوق أمام الرأي العام على الحزب الحاكم فينفتُح الأفق أمامها وأمام مناضليها فتزداد الحماسة والنضالية والقابلية للتجنيد وتوسيع دائرة الانفتاح والعضوية والانتشار على مستوى النخب والعوام. وحينما يأتي وقت الانتخابات تكون الحملات سهلة ميسورة قد انقدح في ذهن الناخبين عبر سنوات النضال في العهدة البرلمانية قيمة كل حزب واتضحت لديهم البدائل والخيارات ومن يجب تكريمه أو معاقبته إذ لا ينفع عندئذ في تضليلهم غش ولا تدليس. مع التأكيد بأن الأحزاب التي توجد في أجواء غير ديمقراطية تجد نفسها منشغلة أكثر بتوفير الحريات، والتي تتطور في أجواء الحرية والديمقراطية تنشغل أكثر بتقديم بدائل التنمية والتطوير.


إن ممارسة العملية السياسية بين السلطة والمعارضة اتجاه سياسي وحضاري تسبب في تطوير الدول والمجتمعات الديمقراطية ضمن ثقافة المشاركة التي جعلت المواطن يتصرف تصرفا إيجابيا تجاه قضايا بلده من خلال الانخراط في الشأن العام عبر شبكات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والحملات الانتخابية، وهو اتجاه قديم في الثقافة الإسلامية يقوم على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر به الله تعالى في كتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأخذت به الحركة الإسلامية العصرية في زمنها الأول. غير أن الصراع الذي فرضته الأنظمة الظالمة والقمع الذي مارسته على الدعاة والمجددين في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات دفع ببعض المفكرين إلى نقل الحركة الإسلامية إلى المواجهة أو الانفصال الكلي عن الدولة ومؤسساتها وبرزت مع المفكر والداعية سيد قطب رحمه وغيره فكرة عدم المشاركة في البناء الفاسد والعمل على تدميره كلية ثم بنائه من جديد. وبعد أن عجزت الأنظمة العربية على استئصال الصحوة الإسلامية ووقفت عاجزة أمام صبرها وثباتها وبعد أن وجدت نفسها في مشاكل هيكلية واقتصادية كبيرة اضطرت أن تفسح المجال من جديد للحركة الإسلامية فرجعت فكرة المشاركة إلى أصلها وتبنتها العديد من التنظيمات الإسلامية في مصر بالنسبة للبرلمان والأردن واليمن والكويت والسودان بالنسبة للبرلمانات والحكومات ثم تلتها الجزائر فأبدعت في ذلك أيّما إبداع. فشاركت هذه التنظيمات في الانتخابات والمجالس المحلية والوطنية والحكومات والمؤسسات كما قاطعت الانتخابات والمجالس والحكومات، وهي في كل ذلك ضمن استراتيجية المشاركة إذ حينما كانت لا تشارك في استحقاق من هذه الاستحقاقات تبقى ضمن استراتيجية المشاركة لأن عدم المشاركة هدفه في هذا المذهب هو تحسين ظروف المشاركة وليس سببه عدم قبول المبدأ من الأصل الذي تراه مذاهب إسلامية أخرى، فالوجود في الحكومة ينتمي لمذهب المشاركة كما أن المعارضة تنتمي هي الآخرى لمبدأ المشاركة ( وهذا الذي جسّدته لوائح الحركة منذ مؤتمر 1998 واستصحبناه في كل المؤتمرات منها المؤتمر الأخير الذي أوكل مهمة مناقشة وثيقة السياسة العامة لمجلس الشورى ووضع في أرضيتها مصطلح المعارضة بالنص الواضح بلا لبس ولا مواربة بل جعلها سببا للاستقرار والتطور في المجتمع والنص هو كما يلي: ترقية دور المعارضة السياسية السلمية كأداة تطور واستقرار في المجتمع)


طالع أيضا